قَــــــرْصِة أُذن لـ أردوغان ! !

قَــــــرْصِة أُذن لـ أردوغان ! !
عمر1

بقلم : عمر الفاتح     

تطالعنا وسائل الإعلام بخبر اندلاع مظاهرات عارمة في تركيا ضد حكم أردوغان ونظامه، الخبر قد يبدو للبعض عاديًا، وقد يبدو للبعض الآخر مريبًا، هناك من تلقي الخبر بسعادة، وهناك من تلقي الخبر بمزيج من الاستغراب والضيق والحزن، لكن بالنسبة للمحللين الأمر يقف عندهم بعيدًا تمامًا عن النزوات والنزعات الفكرية والنفسية..

من جانبنا؛ أولاً: نبدأ في قصة تحليل الخبر من حيث المادة التي بثتها وسائل الإعلام، وسائل الإعلام صرحت قائلًة بأن عشرات الآلاف من المتظاهرين يخرجون في مظاهرات عارمة في شوارع أسطمبول وأنقره ضد نظام حكم أردوغان احتجاجًا علي قطع أشجار حديقة تعتزم الحكومة استغلالها في المرافق العامة.. هنا قد يضحك البعض ضحكة مكتومة تحمل معاني الاستغراب والدهشة وعدم الاقتناع بدواعي تلك التظاهرات الفوضوية الحاشدة، حتى ولو احتج البعض بأن تعامل الشرطة العنيف مع المتظاهرين هو ما دفع بالأعداد الغفيرة كي تحتشد أكثر وأكثر لتعلن الثورة ضد حكم أردوغان، فقط لأن الدواعي الأساسية الأولي للتظاهرات تظل كما هي غير مقنعة لأي عاقل.

ثانياً : في علم السياسة؛ هناك إستراتيجية ترويض أساسية يكاد الكل يعرفها تدعي بـ إستراتيجية ” العصا والجزرة “، تلك الإستراتيجية السحرية التي لا يكاد يتوقف العالم الغربي ممثلاً في أميركا ومعه الكيان الصهيوني في استعمالها ضد أنظمة الحكم الوطنية المهتزة والغير متجذرة شعبياً في سبيل ترويضها وتهديدها دوماً بعبارة ” إما و إما “، أردوغان ونظام حكمه يكاد يوصف بأنه النظام الأكثر ترويضًا بهذا الأسلوب في المنطقة، فبحكم عقبات كثيرة يطول الأمر في شرحها يجد أردوغان نفسه خاضعًا بشدة لابتزازت القوي العالمية التي تلوح له بالعصا في يد والجزرة في اليد الأخرى، أردوغان يعاني داخليًا من تربص الأحزاب العلمانية النافذة التي تربطها بالقوي اليهودية خلفيات النشأة والتاريخ عبر ما كان يعرف بيهود الدونمة في تركيا، وكذلك يعاني من التأثيرات الضارة التي يخلفها حزب العمال الكردستاني المرتبط روحيًا ولوجيستيًا بالكيان الصهيوني، من جانبها؛ وجدت القوي العالمية في هاتين القوتين سبيلاً ولا أفضل من ناحيتين ؛الأولي:وهي إخضاع أردوغان دومًا تحت رحمة الخضوع لتعليماتهم، والثانية : أنه في الوقت الذي يُشعَر فيه أن أردوغان _ ذي الخلفية الإسلامية _ بدأ يتحول كخطر إقليمي ضد مشاريعهم في المنطقة تظهر تلك القوي الداخلية كأنياب قوية حادة تلتهم الأخضر واليابس في طريقها ..

ثالثاً : أردوغان من جانبه؛ قد أقنع ذاته أنه لا مناص من إتباع إستراتيجية مرحلية؛ تقوم علي أساس التدرج في أسلمة الدولة وبالتالي التحكم الكامل في مفاصلها، أي أنه يستحيل عمليًا علي حكومة تمر بعقبات شاقة كالتي تمر بها حكومته أن تمضي بلا تدرج وإلا فسيسقط سقوطًا مروعًا ينذر بعدم قيام قائمة لمشرع إسلامي آخر في تركيا، لذا قد بدا أردوغان في المراحل السابقة وكأنه يسعي بكل قوة لطلب ود الغرب ورضي القوي العالمية حتي يضمن بذلك عدم تحريك القوي الداخلية المتربصة ضده للدرجة التي كان يمكن أن يوصف بها بالحليف المهم للقوي الغربية، بينما القوي العالمية من جهتها صارت تبدي مزيد من الطمع لإخضاعه تحت سيطرتها أكثر وأكثر، وهناك كان يُلوح ضده بين الحين والآخر بعصا القوي الداخلية، وفي اليد الأخرى جزرة التعاون والمرونة الخارجية، طيلة السنين الماضية استجاب أردوغان لسياستهم بالقدر الذي يسمح له زمانيًا بإتمام إصلاحات داخلية تقنع جماهير الشعب التركي بأن حكومته قادرة علي النهوض بدولة بحجم تركيا، وبالتالي اتبع عبر الزمن خطة الأسلمة المرحلية المتدرجة ببطء شديد كي لا يثير ضده عصا القوي العلمانية المتربصة.

رابعًا : أما الحديث عن النقلة النوعية في سياسة أردوغان الداخلية والخارجية؛ فقد بدت واضحة للغاية من اللحظة التي أعقبت حادث السفينة “مرمرة” مرورًا بدعمه الشديد لثورات الربيع العربي وصولاً إلي إعتلاء الرئيس مرسي ذي الخلفية الإسلامية المشتركة حكم مصر، البلد الأهم في المنطقة، وقتها شعر أردوغان بفعل السعي المصري الحثيث للتقارب مع دولته أنه لم يعد وحيداً في وجه القوي العالمية في المنطقة، وبدأ يفكر أنه لو استطاع إقامة تحالف إستراتيجي مع مصر، تحالف تصبح فيه الدولتان قويتان بما يكفي، ومتكافئتان في القوة والنهوض بما يعزز من قدرتهما معاً في الصمود سويًا أمام التحديات الكبري الخارجية، وهنا بتنا نحن _كمراقبين_ نري مدي حرص أردوغان علي تقديم كل ما يستطيعه من دعم لمصر كي تعبر من أزمتها الداخلية بأقصى سرعة تمكنها من مجاراة النهضة التركية. أما من ناحية سوريا؛ شعر أردوغان بأن دعم الثورة السورية، والمساعدة في الإطاحة بـ بشار للإتيان بنظام آخر موازي للنظام في مصر، سيسهل له كثيرًا الطريق نحو الوقوف ضد الهيمنة العالمية، شعور القوي العالمية التي تراقب تغيرات المشهد في كل ساحة أن أردوغان صار يمتلك ويدير مشروع خاص بالمنطقة ضد الهيمنة العالمية، فبالتالي ذهبت تلك القوي لاستعمال نفس سياسة “العصا والجزرة ” لكبح جماح أردوغان، عبر الاستعانة بحزب العمال الكردستاني الذي لا يمثل قلقاً لأردوغان فحسب، بل صداع كامل في رأس الدولة التركية، بينما أردوغان من جانبه قد استطاع _ عبر السنين_ أن يلجأ للحل السحري للتحييد النسبي لجبهة حزب العمال الكردستاني عبر موجات الاعتقالات والتخلص من قادة الحزب، فلما شرعت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة “هيلاري كيلنتون” لتلوح لـ أردوغان بورقة الحزب كعصا عقاب لدعمه للثورة السورية واحتضانه لـ اللاجئين السوريين، بدا أردوغان صلباً بفعل تلك الخطوات الاحترازية المتخذة مسبقًا، بينما تبقي جبهة الأحزاب العلمانية هي نقطة الضعف الحقيقية في جسد أردوغان وحكومته.

أخيراً ؛ بالبناء علي كل قد سبق، نستطيع أن نربط بين كل تلك النقاط في عبارة واحدة تختصر مشوار طويل من الكلام والتحليل، الذي أردنا به وضع التفسير الحقيقي وراء المظاهرات الحاشدة التي اندلعت فجأة ضد أردوغان، واعتمدت في اندلاعها علي أسباب واهية لا تجد عاقل أو مجنون يسمعها إلا ويضحك ساخرًا، أن القوي العالمية أرادت بتلك التظاهرات الحاشدة أن توجه رسالة لـ أردوغان مفادها القول بأن هذه هي “قرصة أُذن ” لمن يتحدي أو يخرج عن السياسة التي يسير عليها النظام العالمي.

المهم؛ أن أردوغان قد بدا في أول رد فعل له علي التظاهرات تلك، أنه قد فهم مغزي تلك الرسالة بالعبارة الواضحة التي قال فيها : بأن الأحداث مفتعلة والتظاهرات من البداية ليس لها مبرر، بما يعني أن أردوغان بدا يفكر الآن في عدم الاستجابة لـ ” قرصة الأذن “.

التعليقات

  1. رائع يا شيخ تقيمك للأحداث وقرائتك ليها رائع فعلا وتحليلك مقنع , وربنا يعدى الايام ده على خير على المسلمين كلهم يارب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *