استيراتيجية الفنكوش وتكتيكات بيع الوطن (1)

استيراتيجية الفنكوش وتكتيكات بيع الوطن (1)
طة2

بقلم – طه ابو النيل :

 

لما كان الفارق بين الاستيراتيجية والتكتيك يمكن توصيفه ببساطة على أن الأول هو هدف أسمى يتم الوصول إليه عن طريق تكتيكات صغيرة فعلية تتم على الأرض تبعاً للظروف والفرص المتاحة، فإن المتابعة اليقظة لسير الأحداث خلال الشهور الأخيرة لابد أن تؤدى بنا إلى أن هناك تياراً له استيراتيجية واضحة لن يتنازل عنها ولا يدخر جهداً فى استخدام كل وسيلة واستغلال كل حدث وتطويعه للخدمة فى اتجاه معين، وهذا التيار له أجهزته التى -وبمنتهى النعومة- تقوم بلىّ عنق الحقائق والاتجاه بها نحو مآرب خاصة، مراهِنة على التسطيح المتعمد الذى قام به النظام السابق لعقول أكثر من جيل كامل صار بتسَطُّحِهِ –وتلك جريمة لم يحاسب عنها أحد- فريسة لكل كلمة حق يراد بها باطل.

 

ولنتابع معاً –على سبيل المثال- صفقات بيع الوطن علانية والتى اتخذت خطاً جغرافياً بدأ من الشرق كعادة الغزاة على مر التاريخ المصرى المكتوب، حين طالعتنا أخبار “مؤكدة” من “مصادر موثوقة” تؤكد توقيع عقود بيع لأجزاء كبيرة من الشريط الحدودى بين مصر وغزة لتوطين الفلسطينيين، والذى خرج علينا بمقتضاه مجموعة “منتقاة” من المحللين والخبراء والإعلاميين “الكبار” ليغلظ بعضهم القسم فى بجاحة يحسدون عليها أن البيع قد تم بِلَيل، وأن بعض الوطن قد أصبح فى حوزة الغير، وأن هناك صوراً وأفلاماً للمعسكرات الفلسطينية سيتم عرضها لاحقاً، ولم تخرس تلك الألسنة بسهولة حتى بعد خروج وزير الدفاع بقرار لا رجعة فيه بأن البيع أو الشراء أو البناء فى هذا الشريط الحدودى “ممنوع” على المصريين أنفسهم من أبناء سيناء وهذا لمصلحة وطنية عليا، وقد رُفِعَت القبعات تحية للرجل وقراره ممن يَعون مصلحة الوطن، رغم الطنطنات التى لم تجد بداً فى النهاية من ترك هذا الملف بعض الوقت باحثين عن غيره، فلم تجد عقولهم أثمن من قناة السويس، ليتم بيعها فى غفلة من المصريين لدويلة تقل حجماً عن مساحة أحد أحيائنا الشعبية، وليس هذا تقليلاً من حجم الدولة الشقيقة ولكنه تذكير بحجم أمة كبيرة يحاول التلاعب بمقدراتها –للأسف- بعض أبناء لها، أثروا حراماً ويريدون الحفاظ على ما اكتسبوا بانتهاج تلك الأساليب التى لاتصب فى صالح أحد سوى عدو يتربص، دخلنا بعدها مباشرة فى لعبة شديدة الاحترافية حين تم استغلال حكم قضائى فى قضية كان أساسها مباراة فى كرة القدم ليتم على إثر ذلك استغلال حالة من الغضب تنتاب عادة المحكوم عليه وذويه وبخاصة أن عدد أحكام الإعدام كان كبيراً نظراً لعدد الضحايا الذين تم اختطاف أرواحهم غيلة، ليسقط المزيد من الضحايا بعد الحكم ويجرى سحب قطار الأحداث فى تسارع مريب نحو محاولة تطبيق حالة من العصيان المدنى بالقوة بشكل لم يحدث فى التاريخ الإنسانى بشكل عام والمصرى بشكل خاص، وكانت تلك بالطبع من أكبر الأزمات التى واجهت المصريين وكادت تنجح فى شق صف الوطن الواحد، أما منذ أيام فقد تم الذهاب بقطار “الفنكوش” نحو الجنوب مصاحباً لزيارة الدكتور مرسى إلى السودان الشقيق حين تم الإعلان عن إهداء الرئيس المصرى لحلايب وشلاتين للجانب السودانى بغير مقابل وببساطة تدعو القارئ المدقق للاستلقاء على قفاه سخرية من طريقة صياغته، لكن سرعة انتشار الخبر تدعو للتأمل، من كونه مجرد خبر غريب يصدر على شكل مانشيت صحفى صباحاً فيتم تداوله مساءاً ليمتد هذا التداول حتى الصباح فى مناقشات ومداخلات وتحليلات تعطى للمشاهد انطباعاً بصدق الخبر المنفى أساساً، آه.. يبدو أن تسارع الأحداث قد أنسانى ما يحدث على حدودنا الغربية من تأجيج للمشكلات بيننا وبين الجانب الليبى وبخاصة فى المجالين الأمنى والاقتصادى، ومعالجة هذا الملف إعلامياً ضرباً على وتر عدم وجود حكومة مركزية قوية فى ليبيا ولم يمر بالطبع حادث القبض على أحمد قذاف الدم.. ولن يكون آخرها فهناك دوماً فى جعبة الساحر جديد، أما موضوع فتح الباب أمام إمكانية إعادة العلاقات المصرية الإيرانية فى إطار من المصالح المشتركة فقد تم استغلاله بدعوى الدفاع عن المذهب السنى الذى سيتم ابتلاعه بإنشاء الحسينيات فى ربوع البلاد، وقد يكون من المقبول شكلاً أن يعارض التيار السلفى المصرى هذا التقارب، لكن الغريب أن أكثر الأصوات ارتفاعاً كانت بعض الأصوات العلمانية، والذين لا يعى بعضهم –وهُم أصدقائى- الفوارق الأساسية بين المذهبين السنى والشيعى.

 

لكن يبقى فى الحقيقة أشد الملفات إثارة لذعرى الشخصى وذعر كل عاشق للوطن هو ملف الفتنة الطائفية، الذى بدأت تداعياته كما بدأت أحداث الزاوية الحمراء فى السبعينيات كحادث فردى فى منطقة شعبية ثم يتصاعد على أساس دينى دون البحث فى جذوره ومبدأه وبغير انتظار للتحقيقات، ولن يكون –حسب توقع البعض- ما حدث فى العباسية منتهاه لأن تداعيات أخرى تبدو فى الأفق وقد تكون أكثر فداحة إن لم يتم وبشكل عاجل طرح الخلافات السياسية جانباً، ونبذ النعرات الدينية التى استعرت مؤخراً ومحاولة دعاة الإسلام السياسى بعث الطمأنة للجميع مسلمين ومسيحيين والالتفات إلى الطرف الذى يظهر دائماً بعد هبوط الظلام ليشيع الفوضى والرعب الذى ينتهى بمزيد من دمائنا التى مازالت على كثرتها رخيصة فى ظل إعلام يروج “بعضه” للفوضى والتنابذ واليأس من الغد فيما يبدو عقاباً للشعب على مجرد تأييده للثورة، وفى ظل رئيس مازال يعلن عن مؤامرات “سوف” يتم الكشف عن أطرافها، مما أفقده كثيراً من مصداقية رئيس “منتخب” حين يبدو بهذا المنطق وكأنه يعمل وحده دون دولة تسانده، وفى ظل أجهزة إما أنَّ بعضها يوافق على مايحدث أو يدعمه وإما أن تكون عاجزة عن كشف الحقيقة وإعادة الأمن والتصدى للفوضى التى نعيشها منذ التنحى، حين بدأ بعض قائدى قطار الفنكوش ممن ينتسبون إلى سبوبة الإعلام فى إحقاق الباطل استناداً إلى مقولة المتنحى “أخيركم بين الفوضى وبين الاستقرار” على أساس أن الرجل كان يحذر مخلصاً وأن أذرعته التى لم يتم قطعها ليست مأمورة ومموَّلة كإحدى الأدوات المجرمة التى يتم الاستعانة بها فى تنفيذ الاستيراتيجية الكبرى لكل هذه التكتيكات وهى.. إسقاط الوطن، وليس إسقاط حكومة أو رئيس سيأتى بعدهما ألف حكومة وألف رئيس، ومخطئ من يحاول قياس أعمار البشر بعمر الوطن.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *