عماد هلال: سليمان الحلبي لم يقتل كليبر، وهو شهيد العدالة الفرنسية المزعومة

عماد هلال: سليمان الحلبي لم يقتل كليبر، وهو شهيد العدالة الفرنسية المزعومة
large_1237989241

 

 

 

 

 

كتبت – نورهان صلاح الدين


كشف الدكتور –  عماد هلال –  أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر بكلية التربية بجامعة قناة السويس مفاجأة متعلقة بموضوع قتل سليمان الحلبي للقائد الفرنسي كليبر عام 1800 إبان الحملة الفرنسية على مصر، نافياً بالأدلة أن يكون الحلبي هو من قام بذلك، كما تذكر المراجع التاريخية. وعرض هلال ما ذكرته المصادر الفرنسية بخصوص حادثة مقتل كليبر ومحاكمة سليمان الحلبي، نظراً لأنه لا توجد مصادر عربية يعتد بها، حتى إن الجبرتي لم يشهد تلك الواقعة.
جاء ذلك خلال الندوة التى نظمها بيت السناري الأثري بحي السيدة زينب في القاهرة التابع لمكتبة الإسكندرية، مساء  الأثنين الماضى بعنوان “هل قتل سليمان الحلبي كليبر؟”، والتي تحدث فيها الدكتور –  عماد هلال –  أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر بكلية التربية بجامعة قناة السويس والخبير بدار الكتب المصرية، وأدارها الدكتور – خالد فهمي – الأستاذ بالجامعة الأمريكية في القاهرة.
وعدّد هلال الأدلة التي تثبت براءة سليمان الحلبي من قتل كليبر، قائلا إن الفرنسيين لم يكن من عادتهم إجراء محاكمات مشابهة في جرائم القتل؛ حيث لم تكن العدالة شعارهم ولا هدفهم طوال سنوات بقائهم في مصر، متسائلا عن سبب عدم تشكيل محاكمة للنظر في تهمة محمد كريم قبل إعدامه، وعدم وجود محاضر للتحقيق، لأنه لو كانت متوافرة لتم نشرها كما حدث في قضية سليمان.
وأشار إلى رواية أوردها الجبرتي تدلل على أن تلك الفترة شهدت إعدام مصريين دون محاكمات؛ حيث يقول الجبرتي في مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس: “حضر رجل إلى الديوان يشكو ويستغيث بأن قلق (جنود) الفرنسيس قبض على ولده وحبسه عند قايمقام بليار، وهو رجل زيات، وسبب ذلك أن امرأة جاءت لتشتري منه سمنا، فقال لها: لم يكن عندي سمن، فكررت عليه السؤال حتى حنق منها فقالت له: كأنك تدخره حتى تبيعه على عسكر العثمنلي، تريد بذلك السخرية، فقال لها نعم رغما عن أنفك وأنف الفرنسيس، فنقل مقالته غلام كان حاضرا معهما حتى أنهوه إلى قايمقام فأحضره وحبسه، ويقول أبوه أخاف أن يقتلوه، فقال الوكيل فوريه: لا يقتل بمجرد هذا القول وكن مطمئنا، فإن الفرنسيس لا يظلمون. فلما كان اليوم التالي قتل ذلك الرجل ومعه أربعة لا يدرى ذنبهم وذهبوا إلى رحمة الله”.
وأوضح أن الفرنسيين لم يكونوا صادقين في منشوراتهم آنذاك، فكل منشوراتهم التي وزعوها على المصريين ووضعوها على الجدران كاذبة وتحتوي على كثير من الخدع مثل منشور بونابرت الذي أصدره عشية نزوله أرض مصر والذي يشهد فيه بأنه لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، إضافة إلى عشرات المنشورات التي يكفى للتأكد منها الرجوع إلى الجبرتي، ومنها منشور يحتوي على نص محاكمة سليمان الحلبي.
ونفى أن يكون الضرب عادة متبعة في المحاكم المصرية في تلك الفترة كما أدعت المصادر التاريخية الفرنسية التي ذكرت أن الفرنسيين لجأوا إلى الضرب في محاضر التحقيق – على عادة أهل البلاد – لتقرير المتهمين بعد أن أنكروا التهم؛ إذ لم يثبت إطلاقا في تاريخ القضاء المصري أن تم ضرب إنسان في المحكمة، حتى ولو كان القاضي متأكدا من كذبه، وتذخر سجلات المحاكم الشرعية في العصر العثماني وكذلك في القرن التاسع عشر بقضايا قتل وإعلامات شرعية حُكِم في بعضها بالقصاص أو الدية، بينما حُكِم في البعض الآخر بالمنع من الدعوى، أي بالبراءة، لعدم ثبوت الأدلة أو عدم كفايتها.
ونبّه إلى أنه في العصر العثماني كان من سلطة القاضي الشرعي في القاهرة الحكم في القضايا الجنائية، ولم يتعرض هذا النظام لتغيير كبير في فترة الحملة الفرنسية، بينما كان القاضي والشهود والمحامي في قضية سليمان الحلبي جميعهم فرنسيين.
وأكد أن العثمانيين لم يحرضوا على قتل كليبر كما أدعى الفرنسيون، مدللا على ذلك بالإشارة إلى عدة حقائق؛ منها: أن سليمان الحلبي لم يكن جنديا في الجيش العثماني، ولم تكن لديه خبرة قتالية، ولم يتلق أي تدريب على أعمال فدائية، ولا يعرف شكل الهدف المطلوب قتله، كما أن العثمانيين كانوا يعتزون بأنفسهم، ويحط من كرامتهم أن يعهدوا بمثل هذه المهمة إلى عربي فلاح!
ووضع الدكتور عماد هلال سيناريو جديد للأحداث الخاصة بقضية سليمان الحلبي، قائلا: “قام شخص ما بالتسلل إلى حديقة السراي وقتل كليبر ونجح في الهروب، وأراد الفرنسيون الانتقام من أهل القاهرة، إلا أن القادة وجدوا أن ذلك سيسبب لهم مشاكل كثيرة، ففي القاهرة ما يكفي من الغضب لثورة ثالثة بعد الغرامات التي نكب بها أهلها، ولذلك قرروا تجرع الإهانة فالأخطار تحاصرهم من كل مكان، ودبروا مؤامرة لنسبة التهمة إلى شخص آخر يطفئون بقتله جمرة غيظهم وحقدهم، وتصادف أن كان سليمان يسير في الشارع المجاور للحديقة فقبضوا عليه وضربوه حتى اعترف بما أرادوا، أو قل إن شئت لم يعترف، ولكنهم قالوا إنه اعترف، ومن سيكذبهم إذا كانت كل إجراءات المحاكمة لم يحضرها مصري واحد، ولم يلتق مع سليمان أو يحادثه قبل أو أثناء أو بعد المحاكمة أي مصري أو عربي غير الثلاثة الذين حكم عليهم بالإعدام ودفن معهم سرُّهم. ولكي يقنعنا الفرنسيون بصحة التهمة دبروا محاكمة شكلية، مُحكمة الإجراءات، باطلة من عدة أوجه؛ حيث إنها لم تشر إلى نوع القانون ورقم المادة التي حكم بمقتضاها، ولم يتح للمتهمين الدفاع عن أنفسهم، ولم يتح لهم حق النقض، فمحكمة النقض والإبرام الفرنسية أنشئت قبل عشر سنوات من تاريخ محاكمة سليمان الحلبي”. وتساءل عن سبب تسمية الجنرال مينو الذي خلف كليبر ابنه الذي أنجبه في مصر من السيدة زبيدة الرشيدية باسم سليمان؟
وطالب هلال بالاحتفال رسمياً بذكرى وفاة سليمان الحلبي يوم 17 يونيو من كل عام، واصفا إياه بأنه شهيد العدالة الفرنسية المزعومة. كما طالب بإعادة جمجمته المحفوظة في متحف التاريخ الطبيعي بباريس لتدفن في مصر ويقام فوقها نصب تذكاري لشهداء الحملة الفرنسية الذين يقدر عددهم بـ60 ألف شهيد، بحيث يتم إنشاؤه في نفس الموقع الذي أُعدِم فيه، وهو تل العقارب بالناصرية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *